الشيخ محمد هادي معرفة
279
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
أنحاء من التصوير الفنّي في القرآن قد أسبقنا الإشارة إلى أنحاء التصوير الفنّي الواقع في القرآن الحكيم ، من تجسيد المعاني ، أو تجسيم الصفات والأحوال ، أو ترسيم النماذج الإنسانية في غرائزه وتصرّفاته ، أو تشخيص الحوادث الجارية ، أو تمثيل ، أو تخييل . . . وما إلى ذلك من تصوير السمات والشؤون والذوات . وقد استوفى « سيد قطب » الكلام حولها ، وضرب أمثالها ، وشرَحها شرحا وافيا « 1 » نقتطف منه ما يلي : تجسيد المعاني الذهنية في القرآن كثير من تمثيلات هي تبرز المعاني الذهنية بصوَر مجسّدة حسّية ، قصدا إلى تفظيع حال وتشنيع مآل ، أو لتقريب المطلوب إلى مسرح القبول . * مثلًا ، يريد أن يبيّن أنّ الذين كفروا لن ينالوا الفوز لديه تعالى ، ولن يدخلوا الجنّة إطلاقا ، وأنّه من الأمر المستحيل . هذه هي المعاني الذهنية ، لها تعابير كهذه ، ولكن أسلوب التصوير يعرضها كالتالي : « إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ » . « 2 » يدعك هذا التصوير ترسم بخيالك صورة لتفتح أبواب السماء ، وصورة أخرى لوُلوج الحبل الغليظ في سمّ الخياط ويختار من أسماء الحبل اسم « الجمل » خاصّة في هذا المقام تأكيدا لتصوير الغلظة وضخامة حجم الوالج في سمّ الخياط . ويدع للحسّ أن يتأثّر عن طريق الخيال بالصورتين ما شاء له التأثّر ، ليستقرّ في النهاية معنى الفوز ومعنى الاستحالة في أعماق النفس ، وقد ورد إليها من طريق العين والحسّ تخييلًا . * ويريد أن يبيّن أنّ اللّه سيضيع أعمال الذين كفروا كأن لم تكن قبلُ شيئا ، وستضيع
--> ( 1 ) - راجع : التصوير الفنّي في القرآن ، ص 30 - 67 . ( 2 ) - الأعراف 40 : 7 .